/ الفَائِدَةُ : (8) /
21/01/2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /إِصْرَارُ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ عَلَى مَشْرُوعِهِ مَعَ تَخَاذُلِ الأُمَّةِ وَانْكِفَائِهَا عَنْ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ/ /حِسُّ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ دَرْسٌ خَطِيرٌ تَحْتَاجُهُ الأُمَّةُ/ /سَفْكُ الدِّمَاءِ وَسَلْبُ الأَمْوَالِ وَمَا شَاكَلَهَا ضَرَائِبُ لِتَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ/ /تَحَمُّلُ المَسْؤُولِيَّةِ أَحَدُ المَعَانِي الأَسَاسِيَّةِ لِلدِّينِ/ هُنَاكَ صَفْحَةٌ عَظِيمَةٌ وَمُهِمَّةٌ جِدًّا وَمُشْرِقَةٌ ؛ وَمِنَ المَلَاحِمِ البَدِيعَةِ فِي شَخْصِيَّةِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ ، وَنَبْضٌ حَيٌّ فِي حَيَاتِهِ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) ، وَمَشْهَدٌ بَدِيعٌ صَاحَبَهُ مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ إِلَى كَرْبَلَاءَ المُقَدَّسَةِ عَبْرَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ، لَمْ تُسَلَّطْ عَلَيْهِ الأَضْوَاءُ ، حَاصِلُهُ : أَنَّهُ خِلَالَ مَسِيرَتِهِ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) إِلَى كَرْبَلَاءَ وَاجَهَ تَخَاذُلًا مِنَ الأُمَّةِ ، بَلْ وَتَخَاذُلَ نُخَبِهَا وَرُوَّادِهَا ، وَتَقَاعُسًا عَجِيبًا وَغَرِيبًا ، وَانْكِفَاءً عَنْ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ ، وَلَزِمُوا جَانِبَ التَّفَرُّجِ ، وَكَانَتِ الأَوْرَاقُ تَتَسَاقَطُ عَنْ نُصْرَتِهِ وَعَوْنِهِ بَعْضُهَا تِلْوَ الأُخْرَىٰ ، وَنُكِثَتْ مَعَهُ العُهُودُ وَالمَوَاثِيقُ ، لَكِنَّهُ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) بَقِيَ جَبَلًا فَنَداً وَحَجَراً صَلْداً ، مُصِرّاً عَلَى القِيَامِ بِالمَسْؤُولِيَّةِ وَإِنْ بَقِيَ وَحِيداً ، وَنَكَصَ القَوْمُ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا ، وَتَنَاسَوْا كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعُوا ، قَدْ ضَرَبَ اللّٰـهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَقِّ بِسُورٍ ظَاهِرُهُ الرَّحْمَةُ وَبَاطِنُهُ العَذَابُ وَالنِّقْمَةُ ، بَعْدَمَا مَلَكَتْ سَجَايَا الحَيَوَانِيَّةِ أَعِنَّةَ نُفُوسِهِمْ ، وَأَفْسَدَتْ ضَوَارِي الشَّهَوَاتِ قُلُوبَهُمْ ، وَسَيْطَرَتْ مَخَازِي العُبُودِيَّةِ عَلَى طَبَائِعِهِمْ ؛ فَعَمِيَتْ بَصَائِرُهُمْ ، وَتَاهَتْ أَفْكَارُهُمْ ، وَسَفِهَتْ أَحْلَامُهُمْ ، وَغَشِيَ الظَّلَامُ الضِّيَاءَ ، وَسَيَنْجَلِي لَهُمُ القَسْطَلُ ، وَيَجْنُونَ ثَمَرَ فِعْلِهِمْ مُرّاً قَاتِلاً ، وَيَحْصِدُونَ غَرْسَ أَيْدِيهِمْ ذُعَافاً مُـمَقَّراً وَسُمّاً قَاتِلاً ، بَعْدَمَا أَفْحَمَتِ الحُجَّةُ وَاسْتَفْحَلَ الدَّلِيلُ ، وَانْسَدَّ طَرِيقُ الإِنْكَارِ ، وَلَمْ يَبْقَ مَجَالٌ لِمَوْقِفِ الشَّكِّ ، أَوْ مَيْدَانٌ لِمُشَكِّكٍ ، وَلَمْ يَجِدْ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) تِلْكَ الظُّرُوفَ مُبَرِّرَةً لَهُ لِلتَّخَلِّي عَنِ المَسْؤُولِيَّةِ ، بَلْ بَدَرَ مِنْهُ إِصْرَاراً عَجِيباً يُحَارُ فِيهِ عَقْلُ لَبِيبِهَا عَلَى تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ ، فَصَارَ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) ـ وَإِنْ كَانَ فِي أَحْلَكِ الأَهْوَالِ ، وَأَصْعَبِ الظُّرُوفِ وَأَعْقَدِهَا ـ يَنْبُوعاً مُتَفَجِّراً ضَخَّ فِي الأُمَّةِ طَابَعَ وَحِسَّ المَسْؤُولِيَّةِ فِي أَحْوَالٍ يَنْقَطِعُ فِيهَا الأَمَلُ وَالرَّجَاءُ ، وَهَذَا ـ أَيْ : حِسُّ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ ـ أَحَدُ العَوَامِلِ وَالأَسْبَابِ المُهِمَّةِ فِي مَسِيرَةِ المُؤْمِنِ الَّتِي يُصِرُّ عَلَيْهَا أَهْلُ البَيْتِ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِمْ . وَهَذَا الدَّرْسُ العَظِيمُ ـ أَيْ : حِسُّ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ ـ هُوَ الَّذِي تَحْتَاجُهُ الأُمَّةُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَطَوَالَ القُرُونِ المُتَمَادِيَةِ ، وَلَا يَتَقَاعَسُ الفَرْدُ عَنِ المَسْؤُولِيَّةِ وَإِنْ تَخَلَّىٰ عَنْهَا وَنَكَثَ الجَمِيعُ ، وَكَانَ يَعِيشُ الآلَامَ المَرِيرَةَ . وَالهُرُوبُ عَنِ المَسْؤُولِيَّةِ أَوْ إِلْقَاؤُهَا عَلَى كَاهِلِ الغَيْرِ أَوْ عَلَى فِئَةٍ مَرَضٌ عُضَالٌ تُصَابُ بِهِ الأُمَّةُ يُؤَدِّي إِلَى تَقَهْقُرِهَا ، وَهَذَا مَا حَصَلَ مَعَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ؛ فَإِنَّ الكُلَّ تَخَلَّىٰ عَنْهُ وَعَنِ المَسْؤُولِيَّةِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّ وَيَدْخُلْ فِي الصَّفْقَةِ . وَكَذَا مَا حَصَلَ مَعَ أَبِي الفَضْلِ العَبَّاسِ ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي بَيَانِ زِيَارَتِهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : « ... السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا العَبْدُ الصَّالِحُ ... الرَّاغِبُ فِيمَا زَهِدَ فِيهِ غَيْرُهُ ... »(1) ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا زَاهِدِينَ عَنْ نُصْرَةِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ ، بَلْ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَسْمَاءٌ أَكْثَرُ لَمَعَاناً مِنْ أَبِي الفَضْلِ العَبَّاسِ ، أَخْفَقَتْ فِي هَذَا الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ العَظِيمِ ، وَفَازَ فِيهِ أَبُو الفَضْلِ العَبَّاسُ ؛ لِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ السَّيْفَ وَالمَوْتَ ، وَمُصَادَرَةَ الأَمْوَالِ ، وَخَرَابَ الدِّيَارِ ، وَسَبْيَ العِيَالِ ، وَهَذِهِ الضَّرَائِبُ مِنْ لَوَازِمِ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ . وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ خُطْبَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ : « ... أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الهُدَىٰ لِقِلَّةِ مَنْ يَسْلُكُهُ ... »(2) . وَمَعْنَاهُ : لَا يُعْذَرُ المَخْلُوقُ مِنْ عَدَمِ سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وَإِنْ نَدَرَ سَالِكُوهُ ، وَسُلُوكُ طَرِيقِ الحَقِّ يَعْنِي تَحَمُّلَ المَسْؤُولِيَّةِ . 2ـ بَيَانُ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى كَرْبَلَاءَ : « النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا ، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ »(3). وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ. وَالمَسْؤُولِيَّةُ أَحَدُ المَعَانِي الأَسَاسِيَّةِ لِلدِّينِ ؛ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُدَاينةِ وَالْمُسَاءَلَةِ ، وَمِنْ ثَمَّ بَقَاءُ الدِّينِ بِبَقَاءِ مَنْ يَتَحَمَّلُ المَسْؤُولِيَّةِ . وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ الوَارِدُ فِي حَقِّ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى آلِهِمَا) : « إِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ »(4). 2ـ بَيَانُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهَا »(5). 3ـ بَيَانُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَيْضاً : « حَسَنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ »(6). 4ـ بَيَانُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَيْضاً : « حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ »(7). وَأَحَدُ مَعَانِيهَا : أَنَّ دِينَ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَا يَبْقَىٰ إِلَّا بِبَقَاءِ ثُلَّةٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ، وَهُمْ أَهْلُ البَيْتِ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِمْ ، يُوَطِّنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى فَقْدِ كُلِّ غَالٍ وَنَفِيسٍ وَخَطِيرٍ لِأَجْلِ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ . وَمِنْهُ يَتَّضِحُ : بَيَانُ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ فِي مُخَاطَبَتِهِ لِأَصْحَابِهِ لَيْلَةَ العَاشِرِ مِنَ المُحَرَّمِ : « ... وَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِي ، لَيْسَتْ لِي فِي أَعْنَاقِكُمْ بَيْعَةٌ ، وَلَا لِي عَلَيْكُمْ ذِمَّةٌ ، وَهَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً ، وَتَفَرَّقُوا فِي سَوَادِهِ ؛ فَإِنَّ القَوْمَ إِنَّمَا يَطْلُبُونِي ، وَلَوْ ظَفَرُوا بِي لَذَهَلُوا عَنْ طَلَبِ غَيْرِي . فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللّٰـهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : ... وَقَامَ إِلَيْهِ ... زُهَيْرُ بْنُ القَيْنِ البَجَلِيُّ فَقَالَ : ... فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ـ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ : جُزِيتُمْ خَيْراً »(8). فَإِنَّهُ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) أَرَادَ اخْتِبَارَهُمْ وَامْتِحَانَهُمْ عَلَى مَدَىٰ تَحَمُّلِهِمْ لِحِسِّ المَسْؤُولِيَّةِ ؛ لِأَنَّ مَنْشَأَ المَسْؤُولِيَّةِ ـ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الأَبْحَاثِ السَّابِقَةِ وَمَا سَيَأْتِي (إِنْ شَاءَ اللّٰـهُ تَعَالَىٰ) فِي الأَبْحَاثِ اللَّاحِقَةِ ـ لَيْسَ البَيْعَةَ وَالمُصَافَقَةَ وَالعَقْدَ الِاجْتِمَاعِيَّ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِقَادُ بِاللّٰـهِ تَعَالَىٰ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَبِسَائِرِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَواتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِمْ) ، وَالِاعْتِقَادُ بِلُزُومِ تَحْقِيقِ الإِنْجَازِ وَالدَّوْرِ الإِلٰهِيِّ ، وَهَذَا ثَابِتٌ عَلَى المُكَلَّفِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 98: 219 . (2)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 2: 266/ح27 . (3)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 75: 116ـ 117/ح1 . (4)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 20: 96/ح4. الخِصَالُ، 2: 121ـ 124 . (5)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 43: 202 . (6)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 43: 306/ح66 . (7)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 43: 261/ح1 . (8)بِحَارُ الأَنْوَارِ، 44: 316